صدر عن المطبعة و الوراقة الوطنية بمراكش مع بداية سنة 2012، ديوان شعري للشاعر محمد أجران، ضم بين دفتيه، و هو بالمناسبة أول تجربة يخوضها الشاعر لإيصال صوته إلى القراء، ست عشرة قصيدة تفعيلية تنوعت موضوعاتها بين الوطني و القومي و الذاتي... و قد اختار الشاعر أن يضمن أول دواوينه صدورا، أحدث قصائده، إذ لا يتجاوز عمر أقدم قصيدة في الديوان السنة و النصف، كما جاء في التقديم ( ص 7 ).
جاء الديوان من القطع المتوسط و في اثنتين و ستين صفحة، تضمن إضافة إلى القصائد بطبيعة الحال، و ست عشرة قصيدة كما أسلفت، إهداءً و مقدمة و فَهرسةً.
فأما الإهداء، فقد كان خاصا جداًّ؛ إلى الفقيدة راضية، نستكشف معلومتين اثنتين منها، أولاهما كونها امرأة، و ثانيهما فقيدة، لقد غيبها الموت، و هو ما نكتشفه، أيضا، من القصيدة التي تحمل في الديوان نفس الاسم: " راضية " ص23، إذ يقول الشاعر في قصيدته:
أمسك بيدك النحيفة
و أتلو سورة ياسين
فتسألين: إذن سأموت
و لكن الموت، كان بعد تجربة المرض:
أخالني استفقت
مذ شيعت اسمك
في مهاوي السقام.
و لا يجد قارئ النص كبير عناء ليكتشف أن " راضية " في القصيدة هي الأم، أو رمز الأم، إذ جل مكوناتها اللغوية تحيل، بل تؤكد ذلك:
كنت
موجة من أمواه بحرك
قٌمَيْرا أدور
حول شمسك
من سنا وجهك
أنفتح زهرا
أولد غيمة
أنمو طفلا
أكتمل شابا فكهلا...
إنها دورة الحياة.
الديوان، إذاً، هدية من الشاعر للأمه، و هي التفاتة تؤكد الاعتراف بالجميل، و محاولة لتأكيد خلود الذكرى.
و أما المقدمة، فمعلوماته كثيرة، و ترتبط في مجموعها بمغامرة الكتابة و النشر، و نعلم منها أن الشاعر، يتشح بوشاح التهيب، و التردد، و الإحجام...
فالشاعر، يخبرنا أن هذه القصيدة التي يقر أنها حديثةُ العهد كتابة، قديمةٌ فكرة، لقد ثوت في أعماق الشاعر لفترة طويلة، و يؤكد على صدقها في تعبيرها عن مشاعره و أحاسيسه.
نفهم إذاً أن مغامرة الكتابة ترتبط بهذه النصوص المنشورة في هذا الديوان، و لكننا لا نعرف إن كانت هذه هي ما كتب الشاعر فقط، أو أنها فقط مختارات و منتخبات من مجموع ما كتب.
و لكن و إن جاءت الكتابة متأخرة، فإن القراءة، مسترسلَة في الزمان المكان، شعرا و نثرا، و للشعر حظوة لدى شاعرنا، قديمِه و حديثِه، يقول: " ليس معنى هذا أني لم أكن أقرأ الشعر و أتذوقه، فإني أحب قراءة الشعر من العصر الجاهلي، إلى اليوم..." ص7
و يقر الشاعر أن المسافة بينه و بين الشعر الحداثي، أبعد منها بينه و بين الشعر العمودي، أو الذاتي و القومي، كما نكتشف من القصيدة المبثوثة عبر صفحات الديوان. و لكن بعد المسافة هذه لم تجعل الشاعر يضرب صفحا عن هذا النوع من الشعر، و إنما هناك محاولات للفهم و الاستيعاب.
و في المقدمة أحكام نقدية، و إن تميزت في عمومها بالانطباعية، و القيمية ( أحكام قيمة ). يقول: " أقول هذا لأني للأسف لا اجد في شعر كثير لشعراء لهم تجربة طويلة في الميدان ذلك التأثير الفني و المتعة الجمالية التي كثيرا ما قرأت عنها... و أرى أن شعراء الحداثة قد أوغلوا في الإغراب و الغموض..." ص 8
و تبعا لذلك يقدم الشاعر مفهومه للشعر حين يقول: " و على العموم فالشعر الجميل لا يقاس بزمنه،و إنما بصدقه في الكشف عن أسرار النفس و رؤيته للعالم سواء أكان تقليديا أم حداثيا." ص 7
إلى أن يقول: " فالكلمة رسالة و موقف و الشعر يجب أن يكون جميلا و مفيداً، و إلاَّ كان بلا حياة.." ص8
إن شاعرنا إذًا يقدم لنا بشكل من الأشكال، مفهوم الشعر عنده أو نوع الشعر الذي لن يبتعد عنه قارئه للبسه، أو غرابته، أو غموضه...و كأنها دعوة صريحة منه لقراءة هذه الباقة من النصوص / القصائد.
و هي على التوالي:
ü طال الانتظار ü الريف و الحياة ü أمتي ü راضية ü رُدانة ü في الليل ü في انتظار الوصولü لو أستطيع ü مرثية ü يا بني ü يا نفس خبريني ü حاصروا الحصار ü في أعماقي ü ليلاي ü مصر تعود ü يا عراق.
هذه إذاً هي الباقة التي يقدم لنا الشاعر، و يدعونا إلى قراءتها، إن الملاحظة الأولى التي تثير انتباه القارئ هو هذا التنوع في عناوين النصوص من حيث التركيب، و من حيث الدلالة.
à فالتركيب كان كالآتي: ï جملة اسمية: خمس جمل: الريف و الحياة ü راضية ü ردانة ü مرثية ü مصر تعود.
ï جملة فعلية: ثمان جمل: ü طال الانتظار ü أمتي ü يا بني ü يا نفس خبريني ü حاصروا الحصار ü ليلاي ü يا عراق ü لو أستطيع ( شرط امتناعي ).
ï شبه جملة: جملتان: ü في الليل ü في أعماقي .
هذا التنوع في العناوين، يحيل على تنوع آخر يرتبط بالموضوعات، و كما أسلفت فإن نصوص الديوان تتوزع على الموضوع القومي و الوطني و الذاتي: ( مصر تعود – حاصروا الحصار – يا عراق ..) ( أمتي – رُدانة – في أعماقي..) ( راضية – ليلاي – الريف و الحياة – يا نفس خبريني..)
إن المعنى المهيمن في النص هو التجدد و التحول و الاستمرار: التحول في المكان أفضى إلى إنتاج نصوص أكد الشاعر من خلالها على الاستمرار في المكان الأصل / النبع ( تارودانت )، و التجدد في المصب ( مراكش ) هذا التجدد الذي كان أقدر على إخراج هذه النصوص إلى الوجود، و إن كانت الولادة عسيرة، فإنها لم تكن قيصرية، و الدليل أننا نحتفي اليوم بالديوان الأول في انتظار وصول الثاني و الثالث...إن شاء الله.

سرني مرورك