مصــــــــــــــــادرة

 

سجا الليل، و أسدل الظلام أستاره محيلا الروية سديما، ثم هذا الضباب الكثيف المنخفض جدا الذي ضرب بأطنابه على المدينة... دخل خلسة عن أعين الحرس حاملا حقيبة صغيرة جمع فيها قليلا من الأكل يقتات عليه إلى حين وصوله إلى الضفة الأخرى.

اقترب في حذر شديد من الرصيف حيث رست الباخرة التي قَرَّ في نفسه أن تكون وسيلته في الانعتاق من هذا الجحيم الذي أصبح يعيش فيه منذ حصوله على إجازته، و جلس عطلا بطلا، و قد تورمت قدماه و أدماها بحثا عن عمل دون أن يجد... و لأنه وّثِقَ من انسداد كل المنافذ في وجهه؛ حتى والده الذي ظل صابرا محتملا بدت عليه علامات الضجر و التبرم من طول جلوس ابنه في البيت...فكانت فكرة ركوب البحر و خوض مغامرة " لحريك " كما فعل شباب غيره؛ و رغم علمه أن عددا منهم ابتلعه البحر، و حتى الذين أفلحوا في العبور، لم يكونوا أحسن حظا من الذين قدموا أجسادهم لأسماك المتوسط...

كان البحر، دائما، يجذبه إليه، كما النوارس التي لا تغادره إلا لتعود إليه؛ ففيه دأب على تهيئ امتحاناته منذ كان تلميذا في المرحلة الإعدادية، و أيامها لم يتخيله أبدا المنقذ الوحيد!

تسلل إلى ظهر الباخرة الراسية، و أبصر بابًا أرضيا دلف إليه ثم نزل أدراجه في توجس، و قد تيقظت كل حواسه لاستكشاف أدنى حركة أو دبيب قد يكشف سرَّه. واصل طريقه نزولا و إذا به يجد نفسه قد امتلأ آلات ضخمةً سرعان ما فطن إلى أنها محركات الباخرة، فعرف أنه في مكان طالما سمع اسمه في بعض الأفلام التي سبق أن شاهد؛"Salle des machines " و أيقن أنها أنسب مكان للاختباء، فالحركة في هذا المكان قليلة أو منعدمة إلا في حالات الطوارئ، و قد استبعدها,.. اختار لنفسه ركنا يكاد النور يصل إليه في عناء كبير، فجلس مسندا ظهره إلى آلية لا تهْدِرُ، ثم زفر بقوة استرجع معها بعضا من هدوئه و ثقته بنفسه.

أخذ رأسه بين يديه و جالت في مخيلته صور شتى عن الماضي و المستقبل الذي بات على مرمى حجر منه؛ تذكر أيام الجامعة و أحلامه فيها؛ الأيام العصيبة للامتحانات، المصروف الزهيد الذي كان يتوصل به من والده عطالته... ثم ر أى نفسه هناك في البلاد الباردة و قد وجدا عملا، ثم مالبث أن صادف فتاة شقراء فرعاء، زرقاء العينين، سرعان ما وقعت في غرامه، فتزوجا ليضمن إقامة شرعية هناك.

و بعد أن مرت أربع سنوات في المهجر، هزه الحنين إلى الوطن، فقرر قضاء إجازته فيه... استرسل في أحلامه، و لم يخرج منها إلا على صوت هدّار لمجموع محركات الباخرة، اهتز له قلبه، و علم أن ساعة الصفر قد حلَّتْ، و بعد أن تململت الباخرة شعر ببعض الغثيان، تغلب عليه في الأخير. كان صوت المحركات قويا إلى درجة لا تحتمل، لكنه مع الوقت ألفه       و استساغه، فاستسلم إلى إغفاءة سرعان ما غدت نومة عميقة صُمَّتْ معها آذانه عن كل صوت... و حين أفاق لم يسمع شيئا كان الهدوء يعم المكان، فتساءل في نفسه كم مدة نومه هنا... استجمع قواه ثم وقف متناولا حقيبته، صعد الأدراج فترامى إلى عينيه ضوء خافت، و قبل أن تطأ قدماه ظهر الباخرة سمع صوت يناديه و أحس يدا تَرُجُّهُ. هبَّ فَزِعا، فلم تكن سوى أمِّهِ توقظه من نعاسه الذي امتد به إلى منتصف النهار...

كمال أحود. مارتيل/ تطوان 1993

( قصة قصيرة من إنتاج: كمال أحود )