درس النصوص: المجزوءة الثانية: تكسير البنية وتجديد الرؤيا
الشعر الجديد: أدونيس
المراجع: ـ في رحاب اللغة العربية. السنة الثانية من سلك البكالوريا – مسلك الآداب والعلوم الإنسانية.
الكفايات المستهدفة:
ـ تواصلية: القدرة على استخراج الأفكار والمعاني، والتواصل مع قضايا أدبية مختلفة.
ـ منهجية: توظيف القراءة المنهجية وتحديد الإشكالات وتفكيك الخطاب.
ـ ثقافية: تعرف مسار تطور الشعر العربي، والإلمام بالاتجاهات والمدارس الشعرية.
تأطير النص في سياقه العام:
لم تكن الأحداث التي مرَّ منها العالم العربي بالهينة، التي يمكن أن تمر دون أن تبقى آثارها أزمنة مديدة، ولا شك أن الحرب العالمية الثانية وما وقع في فلسطين بين 1948 و1967 أهم تلك الأحداث على الإطلاق وقد أدت إلى القطع تدريجيا مع كثير من مظاهر المحافظة في الواقع العربي المثخن بالآلام جراء توالي الهزائم.
ولا شك أيضا بأن تعدد الروافد الثقافية التي نهل منها مثقفو هذه المرحلة، واختلافها بين القديم والحديث عجلت بالانتقال من مرحلة الوجدان التي كان فيها التحول نحو شكل شعري جديد محتشما لم يستطع التحرر نهائيا من قالب الشعر القديم.
وهو ما جاء الشاعر الجديد ليقوم به وقد ساعده في ذلك، كما أسلفنا، ثقافته المتعددة والواسعة.
ويمكن تحديد أهم خصائص شعر الرؤيا في الآتي:
أ-من حيث الشكل:
لم يعد شاعر الرؤيا يتقيد بنموذج شعري محدد، بل راح يبحث عن أشكال شعرية جديدة تستجيب لإيقاع الظرف المعيش، وفق رؤية إبداعية قامت على تفتيت البنية الخارجية للقصيدة، وذلك:
-باعتماد نظام السطر الشعري بدل البيت واستعمال التفعيلة بدل البحر العروضي.
-تنويع القوافي في نصوص والاستغناء عنها في أخرى.
بل إن بعض الشعراء دافعوا عن قصيدة النثر للوصول إلى قيمة التعبير الفني والتخلص من صرامة البنية التقليدية. يقول أدونيس: «إن الشكل ليس نموذجا أو قانونا، وإنما هو حياة تتحرك أو تتغير في عالم يتحرك أو يتغير، فعالم الشكل هو كذلك عالم تغيرات»
ب-من حيث المضمون:
يعتبر شاعر الرؤيا القصيدة ملجأ للتعبير عن رؤيا ذاتية ووجودية وإنسانية، لا يكتفي فيها بنقل الأحاسيس أو المشاعر أو الصور والمظاهر الحسية الظاهرية، بقدر ما يعمل على كشف كلي للآفاق والكون في رؤى عامة بعيدا عن التفاصيل والجزئيات.
وقد مثل هذا الشكل الشعري الجديد فئة من الشعراء الشباب من أمثال بدر شادر السياب وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور – وأمل دُنقل -
(الحسن الوارث – طنجة الأدبية: 07 – 06 – 2011 بتصرف).
والنص بين أيدينا للناقد والشاعر السوري علي أحمد سعيد (أدونيس) وقد شكلت مجلة " شعر "، التي أسسها مع يوسف الخال، منطلق تصوره للشعر الجديد. ومن خلال هذا التصور بلور شعره فجعله يتسم بالصوفية والرمزية ويمثل موقفا معرفيا من العالم. وعلى المستوى النقدي استلهم مفهوم الحداثة، وبحث عن جذورها في الشعر العربي، ومن المؤلفات النقدية للكاتب: الثابت والمتحول ـ الشعرية العربية ـ مقدمة للشعر العربي..). ومن دواوينه الشعرية: قصائد أولى ـ هذا هو اسمي ـ مفرد بصيغة الجمع – المسرح والمرايا... ومن كتابه: " زمن الشعر" أُخذ النص، وقد عنون بـــ: الشعر الجديد وهو تركيب وصفي يحيل الاسم الأول فيه على أهم فنون القول وهو الشعر بطبيعة الحال وقد احتل في الثقافة العربية الإسلامية مكانة مرموقة وقد جاء موصوفا بالْجِدة.
فماذا يقصد الكاتب بالشعر الجديد وما هي أهم خصائصه شكلا ومضمونا؟
وهكذا، ننتقل إلى مضامين النص لنقف بداية على القضية المحورية المطروحة في النص وهي أن شعر الرؤيا تغيير في مفهوم الشعر، وفي علاقة الشاعر بذاته وبالعالم من حوله، وهو مفهوم يتجاوز النظرة التقليدية الموسومة بالجزئية والأفقية.
ويمكن تجزيئ هذه القضية إلى العناصر الآتية:
- تعريف الشعر الجديد: هو رؤيا تعتبر تغييرا في نظام الأشياء.
- الشعر الجديد معرفة لها قوانينها الخاصة: إنه إحساس كشفي لجوهر الإنسان عن طريق الخيال والحلم.
- توجهات الشعر الجديد: الشعر الجديد يبطل أن يكون شعر وقائع، الشعر الجديد يبتعد عن الجزئية، إنه رؤيا للعالم، الشعر الجديد يتخلى عن الرؤية الأفقية، الشعر الجديد يتخلى عن التفكك البنائي.
- عالم الشعر الجديد، كشف لما هو غير مألوف.
- الشعر الجديد كشف ورؤيا.
وعليه، فإن النص هيمن عليه حقلان دلاليان يحيل أولهما على الشعر الجديد والثاني على الشعر القديم، وفي الجدول التوضيحي الآتي جرد بأربع عبارات تدل على كل حقل:
|
حقل الشعر الجديد |
حقل الشعر القديم |
|
|
ومن تحصيل الحاصل التأكيد على أن العلاقة بين الحقلين علاقة تضاد لأن النمطين الشعريين يقفان على طرفي نقيض إن على مستوى الشكل أو المضمون.
واعتمد الكاتب في تقديم مضامينه على الطريقة الحجاجية التفسيرية من خلال اعتماد مجموعة من الأساليب، ومنه:
- أسلوب التعريف: لعل خير ما نعرف به الشعر الجديد هو أنه رؤيا...
- أسلوب التوكيد: إن الشعر الجديد...
- أسلوب النفي: ولا تقوم هذه الوحدة...
- أسلوب التعليل: لذلك يجب أن تكون القصيدة...
- أسلوب التمثيل: في حضورها كوحدة...
- أسلوب الاستنتاج: هي إذًا تغيير في نظام الأشياء...
- أسلوب الشرط: إذا كان الشعر الجديد... فإن على اللغة أن...
وإلى جانب هذه الأساليب وغيرها، فإن الكاتب وظف مجموعة من الروابط الاستدلالية، كالضمائر وأسماء اٌشارة وأسماء الموصول وحروف الجر وحروف العطف وغيرها.
أما اللغة في النص فمباشرة يؤكدها الطابع التقريري في النص وهيمنة الأسلوب الخبري.
وكانت الخطة المنهجية، التي اعتمدها الكاتب في النص، استقرائية لأن الكاتب استهل النص مباشرة بتعريف الشعر الجديد، ولم يمهد لذلك بما هو عام.
وقد كان كل هذا سببا في كون النص منسجما في أفكاره ومتسقا في مضامينه وفقراته.
حاول الكاتب، إذًا، أن يقدم في النص وجهة نظره في الشعر الجديد، ورأينا كيف أنه اعتبره رؤيا، وكيف أن الرؤيا عنده قفزة خارج المفهومات السائدة، وتخط وتجاوز للمألوف والعادي.
واعتمد الكاتب في ذلك على طريقة عرض حجاجية تفسيرية وظف فيها مجموعة من الأساليب كالتعريف والتوكيد والشرط وغيرها إلى جانب عدد من الروابط الاستدلالية، كان أهمها الضمائر وأسماء الإشارة وحروف العطف.
وعموما، فإن وجهة نظر الكاتب علي أحمد سعيد في الشعر الجديد لا تكاد تخرج على وجهة نظر مجموع النقاد الذين تناولوا بالدرس والتحليل ظاهرة الشعر الحديث، من أمثال غالي شكري ونازك الملائكة وعز الدين إسماعيل وأحمد المعداوي وغيرهم.
/image%2F0563888%2F20210528%2Fob_32a5e5_whatsapp-image-2021-05-27-at-17-06-59.jpeg)