قراءة واصفة تقريرية للفصل الأول( 1ب): " إشكالية الخطاب العلمي في النقد الأدبي العربي المعاصر "

Publié le par Assahib

 

1-       المقدمة:

أشار الأستاذ الباحث في مقدمته إلى أن إكساب النقد العربي طابع العلمية ليس وليد تأثر النقاد العرب المعاصرين بنظرائهم الغربيين؛ و إنما بدأت مع ابن سلام الجمحي و غيره من النقاد العلماء من أمثال الجرجاني و حازم القرطاجني و غيرهما.

و قد أقر الأستاذ الباحث أن إشكالية الخطاب العلمي في النقد عميقة و متشعبة، منوها إلى أن عمله هذا، و الذي عُنيَ فيه بالأبعاد التاريخية و النظرية و المنهجية سيكون متبوعا بدراسة ثانية تروم الوقوف على الانجازات التطبيقية التي حاول أصحابها إنتاج معرفة علمية  عبر قراءة النصوص الأدبية.

2-       تحديدات مفاهيمية:

في هذه الخطوة المهمة سعى الأستاذ الباحث إلى تحديد المفاهيم التي تضمنها عنوان الدراسة " إشكالية الخطاب العلمي في النقد الأدب العربي المعاصر "؛ هكذا و ابتعادا عن الغموض الذي يكتنف المفهوم الأول في العنوان ارتأى الأستاذ اعتماد تحديد الدكتور محمد عابد الجابري، لأن هذا التحديد في رأي أستاذا يفيد بأن سعي النقد الأدبي العربي إلى تأسيس خطاب علمي يميزه في مضمار المعرفة و يكسبه طابع العلم و يتيح له إمكانية إنتاج معرفة علمية بالأدب ظاهرة و نصا ( ص 19 )

هذا من جهة، و من ثانية فإن اعتماد تحديد الدكتور محمد عابد الجابري يفيد أن الخطاب العلمي في النقد الأدبي العربي المعاصر لم يستكمل بعد كل آلياته، و إنما هو في طور " التوتر و التروع ".

أما بخصوص المفهوم الثاني " الخطاب العلمي " فقد استهل الأستاذ الباحث كلامه بغايته و قصده من هذا التحديد إذ لا يرمي من وراء ذلك إلى اتخاذ موقف من علمية الخطاب العلمي، بقدر ما يسعى إلى وصف هذا الخطاب، و لذلك اقتضى عنده أمورا ريئسة ثلاتة، يمكن إجمالها فيما يلي:

أ‌-         تعدد مرجعيات الخطاب العلمي في النقد الأدبي.

ب‌-    بقدر ما يفكر النقد في نفسه، و هو يقترب من العلم، يسعى إلى تأسيس معرفة علمية بموضوعه. ( علم الأدب "

ت‌-    تجاوز الطروحات النظرية إلى الإنجاز و التطبيق للوقوف على مدى نجاعة تطبيق الخطاب العلمي في النقد الأدبي.

3-       النقد الأدبي: و يرى الأستاذ الباحث أن هذا المصطلح يوحي بدلالات كثيرة ارتبطت به عبر التاريخ، من جهة، و عبر النظريات و المناهج التي نهل منها من ثانية. و مع ذلك فإن الأستاذ الباحث يرى أنه بلإمكان التمييز بين ثلاثة استعمالات يتضمن كل منها دلالات و مفاهيم، أولها:

أ‌-         النقد باعتباره مجالا معرفيا مستقلا له نظرياته و مناهجه,

ب‌-    النقد باعتباره مرتبطا بموضوعه ( الظاهرة الأدبية – النصوص الأدبية )، و هو بالتالي يكتسب مدلوله من الزاوية التي ينظر بها إليهما.

ت‌-    النقد هو وسيلة إجرائية غايتها الكشف على قيمة النص وفق معايير يحددها الناقد.

4-       العربي: و يقصد الأستاذ الباحث من وراء هذا التحديد إلى استقصاء إسهامات النقاد المكتوبة باللغة العربية دون التحقق من جنسيات هؤلاء النقاد. كما أشار الأستاذ الباحث إلى أن المتح من الثقافة الغربية في النقد العربي الحديث و المعاصر حال دون  إنتاج نظريات نقدية لها خصوصيات الثقافة العربية؛ فضلوا بذلك مشدودين إلى الإنتاج النقدي الغربي.

5-       المعاصر: أكد الأستاذ الباحث على ظاهرة الالتباس التي يتميز بها هذا المفهوم، و هو لذلك حاول تحديد معنى توظيفه للمفهوم في دراسته هذه، فبين أنه عنده ينهض على ثلاثة عناصر هي:

أ‌-         اتسام المفهوم الزمني في المصطلح بالنسبية.

ب‌-    الاقتصار في المفهموم على الرؤيا لا يصمد أمام بروز رؤى جديدة قد تسلب منه سمة المعاصرة.

ت‌-    نسبية مفهوم الحداثة أيضا.

وصل الأستاذ الباحث بعد ذلك إلى تحديد استخدامه للمصطلحين: النقد المعاصرة و النقد الحديث:

أ‌-         النقد الحديث: و هو النقد الذي يقع في مقابل النقد القديم، و الذي يؤرخ له بخروج النقد العربي من التقليديةن و بداية الاستفادة من النقد الغربي، مع مراعاة التحولات التي شهدها العالم العربي,

ب‌-    النقد المعاصر: و يشكل امتدادا للنقد الحديث، إنه الفترة الأخيرة منه، و إنه يمثل رؤية معينة,

و يخلص الأستاذ الباحث إلى أن الفترة الزمنية التي ظهر فيها النقد العربي المعاصر هي؛ العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين،      و يرى الأستاذ أن هذا التحديد ليس اعتباطيا و إنما يرتكز على محددات مضبوطة.

و لم يقف الأستاذ الباحث في هذا المحور عند تحديد المفاهيم المضمنة في عنوان الدراسة " إشكالية الخطاب العلمي في النقد الأدبي المعاصر "، بل تجاوزها إلى تحديدات أخرى و سمها بـ:

أ‌-         تحديد مجال الدراسة و موضوعها، وتناولَ فيه نقطتين اثنتين:

·       علاقته بالموضوعات المغايرة.

·       طبيعة الموضوع ضمن الدراسات النقدية المعاصرة.

ب‌-    تحديد المتن المدروس.

و تناول فيهما أهم دواعي تفكيره في هذه الدراسة، و الشكل الذي جاءت عليه.

التمهيد:

 عاد الأستاذ الباحث في هذه النقطة إلى الإشارة إلى دواعي بحثه في هذا الموضوع، مبينا أن رصده لإشكالية الخطاب العلمي في النقد الأدبي سيرتكز على ثلاثة أبعاد هي:

1-       البعد التأريخي.

2-       البعد النظري.

3-       البعد المنهجي.

و على امتداد فصول الدراسة الثلاثة، و التي وسمت بنفس ميسم الأبعاد أعلاه سيقوم الأستاذ الباحث ببسط تناوله لها بكثر من الدقة و التركيز.

I-  الفصل الأول: البعد التأريخي.

إن أول ملاحظة يمكن إثباتها بخصوص الفصل الأول تتمثل في الإحاطة الواسعة بالمدارس و النظريات النقدية التي عرفها النقد الأدبي في الغرب، من جهة، و ذكر المدارس و النظريات التي كان لها صدى في النقد الأدبي العربي المعاصر، من ثانية. و الملاحظ أيضا أن هذه المدارس و الاتجاهات النقدية هي التي حاولت، و على غرار ما عرفته العلوم الإنسانية، الاقتراب بالخطاب النقدي من الخطاب العلمي تنظيرا و ممارسة.

هكذا، استهل الأستاذ الباحث هذا الفصل الأول بتمهيد تأريخي بدأ فيه من حيث تجب البداية؛ فأكد أن فلسفتي أفلاطون و أرسطو كان لهما دور الريادة في محاولتيهما للتنظير الأدبي؛ الشعر منه على الخصوص، ثم عرج على إسهامات النقاد العرب القدامى في محاولتهم جعل الممارسة النقدية أكثر قربا من العلم انطلاقا من التجربة المتميزة لابن سلام الجمحي و مرورا بتجارب رائدة أخرى لكل من ابن قتيبة و قدامة و حازم...    

و بعد أن أثبت الأستاذ الباحث مجموعة من الاستنتاجات، انتقل بنا إلى القرن التاسع عشر، و هي المرحلة،حسب رأيه، التي احتدم فيها النقاش حول علمية النقد الأدبي، مشيرا إلى تأثير الفلسفات المادية، و إلى ما وصلت إليه العلوم التجريبية،خاصة، في مجالي البيولوجيا و الفيزيولوجيا، و ما كان لبلورة المنهجين الاستنباطي و التجريبي... و استمر التطور و تسارع خلال القرن العشرين مع مجموعة من العلماء " فرويد و أدلر " ثم هذه الطفرة التي شهدها علم الاجتماع و علم اللغة.

و في كل ذلك كان النقد الأدبي العربي المعاصر مواكبا لهذه الحركة العلمية محاولا الاستفادة منها، و ستكون سبعينيات القرن العشرين اللحظة التاريخية التي عرف فيها النقد العربي المعاصر طفرة نوعية على مستوى تحديد المفاهيم و المناهج و إرساء أسسه على ركائز علمية ( ص 39 ).

1-       النقد الأدبي و علم النفس:

استهل الأستاذ الباحث هذا المحور بتقديم بيَّن فيه الجانب الذي سيعتمده في دراسته، في ارتباطها بعلم النفس، إذ سيعتبره علما إنسانيا يقصد إلى معرفة علمية بالذات الإنسانية. و قد قسم المحور إلى أربعة مرتكزات:

أ‌-         النقد النفسي: أما موضوعه فالقوى النفسية الواعية المحركة للإنسان و المتحكمة في نشاطه و علاقاته. و يرى الأستاذ الباحث أن رواد هذا الاتجاه مزجوا بين المعرفة العلمية و التأمل الفلسفي ( كولردج و برجسون )، و قد اتخذ هذا الاتجاه من علم نفس الوعي مرجعية له.

ب‌-    علم نفس الأدب: و يأخذ مرجعيته من علم نفس السلوك، و قد تمثل في مدرستين أساسيتين هما:

·       السلوكية

·       الجشطلتية

و عموما فقد اهتمت المدرستان بالعملية الإبداعية. و كلتا المدرستين ترتكز على أسس المنهج التجريبي. لقد سعى علم نفس السلوك، كما يقول الأستاذ إلى تأسيس فرع يُعنى بدراسة عملية الإبداع الأدبي باعتبارها نشاطا سلوكيا إنسانيا تشبه مختلف أنماط السلوك الإنساني؛ هو علم النفس الأدبي.

و من الدراسات الرائدة في النقد الأدبي العربي المعاصر ذكر الأستاذ: " الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر " للدكتور مصطفى سويف،     و دراسة الدكتور شاكر عبد الحميد حول القصة القصيرة، و غيرهما...

ت‌-    التحليل النفسي للأدب: و مرجعيته من التحليل النفسي، و هو حسب الباحث، أهم مدرسة نفسية أثرت في النقد الحديث و المعاصر، إن في الثقافة الغربية أو العربية، و مرد ذلك إلى أن فرويد قد بنى مفاهيمه و نظرياته بناء محكما ( ص 47). و عموما فإن نظرية فرويد باتت تنهض، في تحليل الأدل، على الركائز التالية:

·        تحليل نفسي للمؤلف

·       تحليل نفسي للشخصيات الأدبية

·       تحليل نفسي للرموز الأدبية.

و إلى جانب فرويد يعتبر أدلر و يونغ من رواد التحليل النفسي للأدب، إلا أن الأستاذ يخلص إلى أن مفاهيم التحليل النفسي لم تعد مقنعة و قد اكتنفها التكرار و الابتذال في الممارسة النقدية ( ص49 ). و الملاحظ أن هذا التوجه قد همش القيم اللغوية و الفنية في الأعمال الأدبية مكتفيا بنفسيات الأدباء.

و رعم أن التحليل النفسي تطور معر نقاد من أمثال موران و لاكان و باشلار إلا أنها لم تجد صدى في النقد الأدبي العربي سوى إشارات هنا     و هناك.

ث‌-    النقد الأسطوري: و يعد نورثروب فراي أهم رواده، و هذا الاتجاه فرع من التحليل النفسي، و يرى فراي أن النقد الأدبي هو الذي يجب أن يتقيد بالعلمية، على عكس الأدب الذي يعتبره متغيرا و دائم التحول.

و يعطي فراي للأدب تفسيرا مخالفا لما هو معروف؛ إذ يرى أنه ليس سوى أساطير أعيد تجميعها...( ص54 ).

لذا فإن وظيفة النقد الأسطوري عند فراي تتمثل في:

·       إذابة الحدود بين المناهج النقدية

·       ترسيخ التفسير الأسطوري للأدب.

و عن طريق هذين المرتكزين يمكن أن يتأسس "علم الأدب" حسب فراي. و من خلال عرض نظرية فراي يتضح أن الأستاذ الباحث أولاها أهمية ملفتة، و إن كان يؤاخذ عليها كما على المنهج النفسي عموما أحادية التناول.

2-       النقد الأدبي و علم الاجتماع:

قدم الأستاذ الباحث لهذا المحور ببيان أهمية علم الاجتماع في إكساب النقد الأدبي طابع العلمية ثم أشار إلى المرحلتين المختلفتين اللتين مر بهما النقد الأدبي في علاقته بعلم الاجتماع. و إذا كان علم الاجتماع قد عرف تطورا فإن الفكر النقدي المؤسس عليه تطور أيضا، و مر بمرحلتين مختلفتين كذلك:

·       مرحلة المقاربة الاجتماعية للأدب: و فيها استقل علم الاجتماع عن التأملات و التأويلات الفلسفية.

·       مرحلة علم اجتماع الأدب: فبالإضافة إلى التطور الكبير الذي عرفه علم الاجتماع في مضمار العلم فإنه أفاد من اللسانيات الحديثة. و بعد أن ذكر الأستاذ الباحث مجموعة من رواد علم اجتماع الأدب من أمثال كولدمان و لوكاتش و باختين... انتقل بنا الأستاذ الباحث إلى التقسيم الذي أفرزه بيير زيما الذي يميز بين ثلاثة أنواع من الدراسة الاجتماعية للأدب: 

أ‌-         علم اجتماع التجريبي للأدب: و يهمش النص الأدبي و يبحث في تأثير الأدب في البنية الاجتماعية. و من رواده: إسكاربيت       و فيبر...

ب‌-    علم الاجتماع الأدبي للأدب: و يهتم بالنص الأدبي و قيمه الجمالية. و يعد كولدمان و لوكاتش من أبرز رواده.

ت‌-    علم اجتماع النص الأدبي: و يتوجه إلى الجوانب الموضوعاتية و الفكرية في النص الأدبي، و يمثله بيير زيما.

و قد استمر الأستاذ الباحث في تتبع التطور الذي عرفته علاقة علم الاجتماع بالظاهرة الأدبية و تجلياتها النصية من خلال الوقوف على خصائص كل اتجاه على حدة، مشيرا إلى أهم الإضافات التي جاء بها كل اتجاه، مع ذكر أهم ممثلي علم الاجتماع في اشتغاله بالأدب . و انتهى الأستاذ الباحث إلى أن علم اجتماع الأدب استطاع أن يكسب النقد الأدبي طابع العلم اعتمادا على مفاهيم علم الاجتماع المختلفة من جهة، و بالانفتاح على علم اللغة الحديث من ثانية، و الاستفادة من مفاهيم التحليل النفسي.