قراءة في أضمومة الأستاذ عبد الوهاب الفغري في إطار فعاليات الأسبوع الثقافي لثانوية محمد الخامس باب أغمات - مرا

Publié le par OUHOUD

 

:الهم القومي و الموروث الديني  و التاريخي من خلال أسماء الأعلام في

" عوالم الناس / ج 1 خبايا و زوايا" 

أُضْمُومَة قِصصية

للأستاذ عبد الوهاب الفغري.

منشورات المطبعة و الوراقة الوطنية – مراكش / الطبعة الأولى 2012.

على سبيل الاستهلال:

... تأتي القصة القصيرة في المغرب، في طليعة أشكال التعبير التي حاولت منذ العقد الرابع من القرن [ العشرين ] أن تُشَّرع لصياغة المشاعر و الهموم الفردية و الجماعية، بانقطاع و انتظام في آن واحد. إنها تخرج من رحم النثر الفني الكلاسيكي أولا؛ من المقالة و الخاطرة الأدبية بالذات، و تلتوي في مسارب البحث عن العناصر الحكائية، باعتبار عنصر الحكي مطلبا أساسيا في النسيج الفني لهذا الجنس، بيد أنه بحث يظل مشدودا "إلى الوراء" أي إلى القيم الثابتة  في الكتابة المرسلة بدل أن يتصاعد في الخط البياني الذي يصوغ الوحدات الثلاث المعروفة... لم يستطع الاستقلال الوطني الذي جاء في نهاية الخمسينات أن يفعل الشيء الكثير مادامت وثيرة التطور الأدبي ليست محكومة حتما بالتطور الحدثي التاريخي و لكنه رغم ذلك سيساهم في إنتاج حلقات جديدة من البانورما الاجتماعية، و سيفرز شرائح لم تكن متبلورة من قبل.  

إن موضوع أو حالة القصة القصيرة ستتبلور، و علينا، من هذه اللحظة، أن نحسن التصنت لنبض الواقع... حالة القصة هي هذه القطاعات أو الفئات الوسطى من سكان الريف الوافدين على المدن، و من العمال و صغار المستخدمين، و الطلاب،          و

الشرائح المأزومة التي تستقطب نماذج مأزومة و محرومة...

في الأدب المغربي المعاصر ( ص 29 و ما بعدها 

أحمد المديني: دار النشر المغربية 1985.

و في هذا الإطار يقول الأستاذ الفغري: " ...عالجتْ هذه القصص بأسلوب السبر و التحليل عديدا من خبايا النفس و قضايا المجتمع. نذكر منها: أحوال المرض و القلق و الاكتئاب .. و الابتلاءات المتنوعة و مسائل التدين و الإيمان و التوبة...                و معايشات الطفولة ... و مناحي الحكمة و السعادة و الحوار و قضايا الهجرة...

تضم الأضمومة القصصية للأستاذ عبد الوهاب الفغري عشرين قصة قصيرة، يقول عنها الكاتب: " ... تمثل صورا مختلفة لناس متنوعين تجمعهم صفة الإنسانية بما فيها من وازع الفطرة و نوازع الغريزة و مناحي العقل و الدين و الوجدان و كل ما يميز الطبيعة الآدمية من صفات و اهتمامات... [ إلى أن يقول ] معظمها يحكي معايشات الطفولة، و من خلال روايات أصحابها أو من عاينوا هذه الوقائع. و أصحابها في معظمهم حقيقيون بأسمائهم و حيثياتهم كما هي..." ( المقدمة ).

و أعتقد أن الكاتب بالمقدمة التي وضع لأضمومته القصصية يريد توجيه قارئه وجهة معينة؛ لا تخلو من وازع الفطرة و نوازع الغريزة و مناحي العقل و الدين و الوجدان ( و أنا هنا أستعير كلام الكاتب مع بعض التحوير طبعا ).

إن هذه التشكيلة الآدمية في الأضمومة القصصية، من خلال آلامها و آمالها خيباتها   و نجاحاتها...، هي ما حذا بالكاتب إلى أن يختار لها العنوان الذي وُسِمت به " عوالم الناس/ ج1 خبايا و زوايا " فالعنوان في جزئه الرئيس جملة اسمية غير تامة؛ حذف المبتدأ فيها، تقديره اسم الإشارة ( هذه )، يتركب العنوان إذا من اسمين مذكرين؛ الأول جمع مفرده عالم و يحيل على الكون أو الواقع و الحقيقة، أما الثاني ( الناس ) فاسم جمع؛ ليس له مفرد من جنسه ( على نفس حروفه )، و يحيل على الإنسان بجنسيه ( الذكر  و الأنثى ) ( الكبير و الصغير ) ( العاقل و فاقد العقل )، و هو ما أشار إليه الكاتب في المقدمة أيضا، حين قال: " هؤلاء الناس فيهم الذكر  و الأنثى الكبير  و الصغير المؤمن و الكافر العالم و الجاهل..."

أما العنوان الفرعي للأضمومة فهو " خبايا و زوايا " و قد جاءت اللفظتان نكرتين على عكس التركيب الإضافي في الجزء الرئيس حيث أضيفت النكرة إلى المعرفة فأفادت التخصيص. أما العطف في العنوان الفرعي يحيل على التعدد و الاطلاق ما دام الكاتب قد استعمل أداة العطف الواو ( التي تفيد مطلق الجمع  و العطف )؛ إذ يمكن تغيير مكان كل لفظة دون أن يتغير القصد.

هكذا يكون عنوان الأضمومة الكلي إذا: عوالم الناس خبايا و زوايا، و تكتمل الجملة الاسمية من حيث التركيب؛ فخبايا خبر المبتدأ الذي هو ( عوالم ). إن عالم الناس بل عوالمهم شيء خفي لا يمكن الاطلاع عليه بِيُسر و سهولة؛ لكن النصوص المبثوثة في الأضمومة استطاعت الوصول إلى هذه الخبايا و إلى هذه الزوايا المعتمة و خرقت حجبها لتطلع على مستورها و مكنوناتها. 

لا يحتمل عنوان المجموعة إذاً على النحو الذي جاء عليه أي دلالة أو حمولة دينية أو قومية، و لكن قراءة النصوص المكونة لأضمومته القصصية تجعل القارئ يندهش للزخم اللافت على مستوى الخطاب الديني في المجموعة و المهيمن على كل خطاب آخر داخل عوالم الناس في جزئها الأول، ثم يأتي بعده هذا الهم القومي الذي عبر عنه الكاتب من خلال مجموعة معدودة من النصوص ( سمر في المخيم  العودة إلى المغرب  في ضيافة الفقير سليمان )؛ ففي قصة سمر في المخيم يقدم الأستاذ الفغري كما هائلا من المعلومات المرتبطة بفلسطين، و ما تعرض له الفلسطينيون من مآسٍ سواء بالأرض المحتلة، أو بلبنان مع مطالع العقد الأول من ثمانينيات القرن الماضي، و إلى جانب الإشارة إلى الأحداث يُضَمِّنُ الكاتب النص كما هائلا من الرموز في فلسطين: ( نابلس – جنين – جباليا – قلقيلية – دير البلح – دير الأسد –حطين -عين جالوت – دير ياسين - كفر قاسم – الكرمل -بيسان – صفد – عكا – حيفا – يافا – صبرا و شاتيلا – قانا – تل الزعتر – برج البراجنة...: تل أبيب - أشدود - هستدروت ...) هذه مجموعة من أسماء الأماكن التي لها في الذاكرة العربية ذكريات أليمة ترتبط بفلسطين، ككفر قاسم     و صبرا و شتيلا و من الأحداث الأليمة الأخرى: أيلول الأسود، و هزيمة حزيران.   و إلى جانب أسماء الأماكن، هناك أسماء رموز النضال الفلسطيني إن على مستوى الكلمة أو الأغنية أو الكفاح المسلح: ( أبو عرب – عبد الله حداد – قعبور – جبرا إبراهيم جبرا – هارون هاشم رشيد – عز الدين القسام – فؤاد حجازي – محمد جمجوم - عطا الزير ...) و لم يستثن الكاتب بعض الشخصيات الصهيونية ( موشي دايان – غولدا مايير – إسحاق رابين ) و إلى جانب هذه الأسماء هناك أسماء يهودية ليهود مغربة من مراكش كما جاء في ( العودة إلى المغرب: ( راحيل – عوفاديا – حيون – شالوميت – ييجال – إستر -إلياهو –شمعون – شيمي - حاييم...) ( تيديلي – وزان – دمنات – الصويرة – فاس – صفرو –         و مراكش ).

تحضر إذا فلسطين في كاتبة الأستاذ الفغري ليؤكد على الارتباط الدائم للمغاربة بالقضية الفلسطينية، و حضورها المستمر في الأدب المغربي.

و لا تخلو النصوص الثلاثة من معلومات أخرى تؤكد على سعة اطلاع الكاتب،          و هضمه الكبير لكل ما يرتبط بالقضية الفلسطينية، أو بالعادات و التقاليد اليهودية / العبرية المغربية: ( الهيلولة – الكيبور – الفصح – سامي المغربي – زهرة الفاسية – سامي الهلالي – كارلوتشي – بوطبول...). يؤخذ القارئ إذا بالكم الهائل من المعلومات التي يقدمها الكاتب عن القضية الفلسطينية في قصتيه: سمر في المخيم،     و في ضيافة الفقير سليمان، و عن التقاليد اليهود المغاربة في العودة إلى المغرب، و أعتقد أن الكاتب في هذه القصة كان يسعى إلى التأكيد على ارتباط هذه الطائفة اليهودية بالمغرب؛ لا في رغبة المغتربين منهم في العودة إلى وطنهم و إنما لأن الذين انتقلوا للعيش في فلسطين المحتلة لم يستطيعوا التأقلم هناك و فضلوا العودة إلى المغرب أيضا، و بالتالي فهي عودة مزدوجة من الغرب ( حال حيون العائد رفقة أسرته للاستقرار في المغرب من فرنسا، أو والداه اللذان قررا العودة إلى المغرب. تقول الأم راحيل: "... لم نتفاهم؛ كان الاختلاف بينا. التقينا يهودا من العراق و من اليمن، فتفاهمنا بعض الشيء. و لكننا أحسسنا بالغربة. كان إحساسُنا بالمسلمين في المغرب آنسَ إلينا...لم نحس بالغربة معهم أو بالوحشة بينهم. كان عافوديا يشاركني نفس الإحساس، ثم قررنا العودة إلى المغرب."  ص199.

أما الموروث الديني و هو ، كما أشرت سلفا الموضوع الرئيس الأول في الأضمومة القصصية للأستاذ عبد الوهاب الفغري،               و يتقمص الكاتب بهذا الخصوص شخصية الواعظ، و كثيرا ما اكتشفت شخصياته " الحكائية " ضرورة التوبة           و الرجوع إلى الرشاد بعد فترات الغي كما في ( الفقر و الغنى و أشياء أخرى – الحلال   و الحرام – ذات الحدين – يوم سعيد – أحاديث الجن...) هناك ملاحظة أخرى أعتقد بأنها مركزية في المجموعة القصصية هي المرتبطة بتيمة البلاء و الامتحان إذ أن جل أبطال القصص في المجموعة مروا بهذه التجربة، و كانت بالنسبة إليهم السبب في التوبة و الرجوع إلى الرشاد و إلى الله. و الحقل الدلالي الديني غني و متنوع في المجموعة القصصية ينتقل من أركان الإسلام: الصلاة الزكاة الصوم الحج إلى الإيمان وصولا إلى مجموعة من الأذكار و السلوكات ( الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ) و الأوراد اليومية و الشخصيات الإسلامية و الأنبياء... سيجد القارئ كما هائلا من المعولمات ذات المرجعية الإسلامية، و سأكتفي بالإشارة إلى ما يرتبط بالشخصيات الإسلامية هنا، و منها:

الأنبياء و الرسل: آدم عليه السلام ( الوحشة )-إبراهيم عليه السلام ( جولاته ) –يونس عليه السلام ( غربته ) – يوسف عليه السلام ( اختباراته ) – أيوب عليه السلام ( ضرره ) موسى عليه السلام ( شدائده ) – عيسى عليه السلام ( ضوائقه ) ثم محمد عليه السلام. ( قصة: انفعالات طفل )

الصحابة و شخصيات إسلامية أخرى: عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه )-  علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه ) – عمرو بن العاص – عثمان بن عفان –  الحسن البصري -معاوية بن أبي سفيان – فاطمة الزهراء –  أبو حنيفة النعمان -أبو مسلم الخراساني - مالك بن دينار -ذات الهمة -الحسن بن أبي الحسن البصري -عبد الملك بن مروان – الحجاج بن يوسف الثقفي -ليلى الأخيلية...

هناك أيضا حضور لافت لمجموعة من أسماء الشخصيات من التاريخ المعاصر ساسة و مفكرون فلاسفة و منظرون  و ثائرون و شعراء و روائيون...

شخصيات من التاريخ المعاصر: و هي شخصيات عربية و أجنبية: الملك فيصل الثاني – نوري السعدي – عبد الكريم قاسم – عبد السلام عارف –غاندي – توفيق الحكيم – مصطفى صادق الرافعي – محمد بن عبد الكريم الخطابي – عمر المختار -سن يات سين – هو شي مين – ماو تسيتونغ – تشي غيفارا – لينين – تروتسكي – بسمارك – غاريبالدي – ديغول – جورج واشنطن – بنيامين فرانكلين – سيمون بوليفار –باتريس لومومبا – كوامي – نكروما – إميلكار كابرال – برناردشو – توماس مان – أوسكار ويلد -غرامشي – لويس أراغون – إنجلز – ماركس- طيب تزيني – حسين مروة -مهدي عامل... 

و لا تغيب طائفة من الشعراء الذين استحضر الكاتب أبياتا من أشعارهم مستشهدا بها في كثير من الأحيان أو مستحضرا إياها بشكل تناصي كما وقع مع القصيدة المشهورة لأبي البقاء الرندي، إذ يقول الكاتب:" غير أن الحال لم تكن سرمدية كذلك، و إنما الأيام دول. فمن ساءته أزمان سرته أخرى. و هذه الدار و تبقى على حال و لا يدوم على حال لها شأن. ( يوم سعيد ص 66 )

لِـكُلِّ  شَـيءٍ  إِذا مـا تَمّ نُقصــــانُ      فَـلا  يُـغَرَّ بِـطيبِ العَيشِ إِنسانُ

هِـيَ  الأُمُـورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ      مَـن  سَـرّهُ زَمَـن سـاءَتهُ أَزمــــــــــانُ

وَهَـذِهِ  الـدارُ  لا تُبقي عَلى أَحَدٍ      وَلا  يَـدُومُ عَـلى حـالٍ لَها شـــــــانُ

و تحضر  الشاعرة المخضرمة الخنساء ( تماضر بنت عمرو ) في بيتين ترثي فيهما أخاها صخرا:

و لولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي

و ما يبكين مثل أخي و لكن أعزي النفس عنه بالتأسي

و الشاعر الجاهلي لبيد بن ربيعة:

ذهب الذين يًُعاش في أكنافهم و بقيت في خَلْقٍ كجلد الأجرب

و عنترة بن شداد:

أغض الطرف إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواهــــــــــــــــــــا

أغشى جارتي عند حليلـــــــــــــــــــــــــها و إن غاب حليلها فلست أغشاهــــا.

و مالك بن الريب ( الفترة الأموية ):

ألم ترني بعت الضلالة بالهدى و أصبحت في جيش ابن عفان غازيا

و هي القصيدة التي مطلعها:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادي الغضى أُجزي القلاص النواجيا

و سحيم عبد بني الحسحاس الرياحي:

عميرة ودع إن تجهزت غازيا كفى الشيب و الإسلام للمرء ناهيا

و أبي الطيب المتنبي:

و زائرتي كأن بها حياءً فليس تزور إلاّ في الظلام.

لا شك أنكم وقفتم معي، في هذه الجولة السريعة في عوالم الناس، على أنها فعلا عوالم لأناس مختلفين جاء بهم الكاتب من مختلف الأصقاع و البلدان، و من مشارب فكرية مختلفة، و من ديانات متعددة، و من ملاحدة أيضا...لم يقف الكاتب في أُضمومته الأولى عند حدود معينة، و إنما أخذ قارئه شرقا و غربا، ليس بأبطاله فقط، و لكن بهذا الزخم من الشخصيات التي استدعتها نصوص هذه الأضمومة، و هي إحدى أهم حسنات هذه الأضمومة، لاعتقادي بأن قارئها سيكون مَدْعُوًّا للبحث               و التنقيب ليتعرف إلى كل هذه الشخصيات التي بصمت التاريخ الإنساني منذ فجر الخليقة، و إلا فإنها، حسب رأيي المتواضع، قد غطت على الجانب الفني للكتابة القصصية عند الأستاذ عبد الوهاب الفغري، مع حضورها،  و حولتها إلى نصوص تسجيلية حُبلى بالمعلومة التي قد يتعطش إليها قارئ التاريخ، وكلنا شوق لتلقف الجزء الثاني بحول الله.

كمال أحود.

ثانوية حسان بن ثابت التأهيلية مراكش,

 

 

 

Publié dans assahib

Commenter cet article